الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

283

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

في نفسه حكمة ، وباعتبار ثبوته لأحد يسمى محكما ( بالفتح ) والعالم به وصاحبه هكذا يسمى حكيما والمنفذ له والقاضي به يسمى حاكما فالحكم ( بالضم ) بمعناه الاسم المصدري هو الثابت في نفس الأمر . ومن هنا يعلم وجه تسمية الآيات المحكمات بالمحكمات ، لأنها ثابتة عند كلّ أحد وواضحة ، ولعلَّه المراد من قول من قال : أي أحكمت عباراتها ، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ، وعلم أيضا وجه تفسيرها بالفهم والفقه ، فإن الحقّ إذا ثبت في القلب بنحو لا يقبل الزوال ، فهو مما تعلق به الفهم والفقه . وقال بعض الأعاظم في قوله تعالى حكمة بالغة 54 : 5 ( 1 ) : الحكمة كلمة الحقّ ، والبلوغ وصول شيء إلى ما تنتهي إليه المسافة ، ويكنّى به عن تمام الشيء وكماله إلخ . ولما كان القرآن محكما فسر الحكمة به أيضا ، وتفسير بعضهم لها بما كان محفوظا من النسخ والتخصيص هو تفسير بلازمها ، فإن الحفظ منهما من لوازم ثبوته في القلب والواقع بنحو لا يزول ، ففي الحكمة أخذ معنى الثبوت والامتناع عن الزوال كما يستفاد من قولهم : الحكمة مستعار من قولهم : حكمة اللجام وهي ما أحاط بحنك الدابة يمنعها الخروج ، فكلّ أمر ثبت في القلب بحيث لا يقبل الزوال والخروج منه فهو حكمة ، فالحكمة صفة عارضة للأمور في القلب . ولذا فسّرت الحكمة ( كما في المحكي عن المفردات ) بإصابة الحقّ بالعلم والعقل . وقوله عليه السّلام : " الكلمة الحكيمة ، " أي التي هي في نفسها محكمة تقتضيها الأدلة والبراهين القطعية وهي ضالة الحكيم . وقوله عليه السّلام : " ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة ، " أي ما به تحقق الحكمة ، وهو العقل الذي منه الحكمة ، ولذا قد تفسر الحكمة في الأحاديث بالعقل أيضا . فكلّ أمر كان في صقع وجوده ثابتا فهو من مصاديق الحكمة ، وهي أفضل من

--> ( 1 ) القمر : 5 . .